دراسات وبحوث


الثلاثاء - 24 مارس 2026 - الساعة 01:29 ص بتوقيت اليمن ،،،

إن الحرب التي تجري الآن في الشرق الأوسط ما بين أمريكا وإسرائيل وإيران وحلفائها من جهة أخرى هي عبارة عن الصراع ما بين عدة أهداف، بعضها داخلية وبعضها إقليمية وبعضها دولية. وفيما يلي تحليل لأهداف كل دولة من هذه الدول من الحرب القائمة:


أولاً: إسرائيل هي المستفيدة الأكبر من هذه الحرب، فرغم الخسائر التي تتكبدها إسرائيل من الصواريخ الإيرانية إلا أنها تحقق مكاسب سياسية وعسكرية على المدى القصير والمتوسط والطويل، كيف ذلك؟


الهدف الأول للقيادة الإسرائيلية لم يكن تدمير إيران بل توفير الوقت اللازم لنتنياهو للخروج من أزمته الداخلية المتمثلة في التحقيقات التي تجريها النيابة معه ومع زوجته، والتي كانت استدعت زوجته قبل أسبوعين من الحرب في التحقيق معها في اتهامات بالفساد. أيضاً محاولة لكسب تعاطف المجتمع الدولي مع إسرائيل مرة أخرى بعد أزمة غزة والتي أفقدت إسرائيل القطاع الدولي الذي كانت تعتمد عليه وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى المكاسب السياسية التي ستجعل من نتنياهو بطلاً في عيون الإسرائيليين مما سيساهم في تعزيز موقعه الداخلي.


لكن من أبرز مكاسب إسرائيل أيضاً هو ضرب إيران للدول الخليجية وفشل منظومات الدفاع الأمريكية في الخليج في صد الهجمات الإيرانية، مما يجعل دول الخليج تبحث عن أنظمة الدفاع الجوي أو أنظمة حماية جوية مثل "القبة الحديدية" في الدول الأخرى التي لديها نفس أنظمة الرادارات الأمريكية، وهنا تكمن دولتان تمتلكان هذه الميزة هما كوريا الجنوبية وإسرائيل. ورغم أن إسرائيل نفسها فشلت القبة الحديدية في صد الهجمات الإيرانية ولكنها تبقى أنظمة مجربة عكس الأنظمة الكورية التي لم تُجرب بعد في الحرب، وبالتالي قد نرى في الأيام القادمة دول الخليج تتعاقد على شراء أسلحة إسرائيلية حتى لو لم تكن على علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما يعني تغلغلاً للمنظومة العسكرية الإسرائيلية في الأنظمة العسكرية والواقع العسكري الخليجي.


أيضاً من مكاسب إسرائيل خلق عداء خليجي إيراني، ورغم أن هذا العداء موجود سابقاً إلا أنه كان سياسياً دبلوماسياً ولم يتحول إلى صراع عسكري، وبالتالي كان خوف الدول الخليجية من إيران تحكمه بعض الآراء التي تدعو إلى التفاهم ما بين إيران والخليج، ولكن بعد ما حدث أصبح العداء عسكرياً بعد هجمات إيران على الدول الخليجية، وهو ما كانت تسعى إليه إسرائيل منذ فترة طويلة بأن تصور للدول الخليجية الحليف الاستراتيجي الإقليمي الأبرز للدول الخليجية في مواجهة إيران، وأنها الوحيدة القادرة على مواجهة إيران.


ثانياً: مكاسب الولايات المتحدة الأمريكية من الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي


لا يخفى على أحد تسريبات ملفات "إبستين" التي كانت تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية ما قبل الحرب، والكثير من التسريبات والاتهامات التي كانت تطال الرئيس ترامب بورود اسمه ضمن هذه التسريبات، وبالتالي كانت الإدارة الأمريكية تبحث عن مشتت قوي لحرف مسار هذه القضايا عن وجدان وتفكير المجتمع الأمريكي. وبناءً عليه كانت الحرب مع إيران هي الطريقة التي اختارتها الإدارة الأمريكية لذلك.


نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى تدخل في حرب لم تكن مستعدة لها ولم تُعد لها الخطط الكافية، لذلك نجد أن تحركات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية لا تتم وفقاً لتنسيق وخطط مسبقة بل هي ارتجالية، حيث أنها وُضعت بدون أهداف مسبقة من الناحية التكتيكية وبدون سقف زمني محدد.


ولكن يبقى السؤال: هل ستنجح مساعي ترامب في تشتيت انتباه الناخب الأمريكي عن ملفات إبستين؟


مع بداية الحرب نشر الكثير من النشطاء الأمريكان أن هدف الإدارة الأمريكية هو حرف انتباه المجتمع الأمريكي عن قضايا ملف إبستين وتورط ترامب فيها، وهو ما قد يجعل البعض يعتقد بأن الإعلام الأمريكي والمجتمع الأمريكي لم يُخدع بهذه الحرب، ولكن ذلك ليس صحيحاً فالمجتمع الأمريكي في غالبيته العظمى ليس مجتمعاً مثقفاً سياسياً بل هو مجتمع استهلاكي بالدرجة الأولى، بمعنى أنه يهتم بالأخبار الاقتصادية والمالية والأمور المعيشية أكثر من اهتمامه بالأمور السياسية الدولية، وهذا ليس منذ الآن ولكن منذ خمسينيات القرن الماضي.


ولذلك سيكون الشارع الأمريكي مهتماً بأسعار المشتقات النفطية والمحروقات والغاز التي ارتفع سعرها بسبب الحرب أكثر من اهتمامه بورود اسم ترامب في ملفات إبستين. ولنا في التاريخ الأمريكي عبرة، فقضايا مثل ملف ترامب في الولاية الأولى واتهامه بدفع أموال لامرأة لمنع إفشاء علاقته بها كلها لم تتسبب في عدم انتخاب الرجل في الانتخابات الرئاسية، بل كان تركيز الناخبين الأمريكان على الأوضاع الاقتصادية.


وبالتالي بسبب الارتفاعات الكبيرة التي ستحدث في أسعار المشتقات النفطية والتي ستؤثر في الوضع الاقتصادي بشكل عام وتؤدي إلى ارتفاع في نسبة التضخم في العالم كله بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية، فإن ذلك سيساهم في رفع نسبة الغضب الشعبي وانخفاض نسبة تأييد الأمريكان لترامب وحربه، بالإضافة إلى انخفاض شعبيته بشكل كبير مما قد يؤدي إلى عدم قدرة الحزب الجمهوري على الفوز بالانتخابات النصفية القادمة. إضافة إلى أن هناك تحديات قانونية أمام ترامب للترشح لولاية ثالثة، ولكن يحتاج ترامب إلى دعم الكيان الصهيوني واللوبي الصهيوني المتغلغل في السياسة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية لإعادة اكتساب هذه الشعبية، خاصة وأنه لا زال هناك ثلاث سنوات في فترة حكمه وبإمكانه إحداث الكثير من التغييرات، ولكن يبدو ذلك صعباً جداً خاصة أنه يعول على قدرته على إحداث تغييرات دستورية للسماح له بالترشح لولاية ثالثة وهو ما لم يحدث سابقاً. أكبر الخاسرين هو الحزب الجمهوري الأمريكي من هذا الصراع، خاصة إذا لم تستطع الأسواق التعافي من التضخم الجامح الذي يتهدد العالم بسبب إغلاق مضيق هرمز.


إيران: ما الهدف الذي تسعى إليه الآن من الاستمرار في الحرب؟


إيران تسعى إلى أن تكون طرفاً في النظام القطبي الجديد بوصفها أحد أقطاب السيطرة في الشرق الأوسط، وأن تمد نفوذها وتحقق سيطرتها في الجانب العسكري والاقتصادي، مدعومة بحلفائها الذين استطاعت تشكيلهم خلال العقود الماضية سواء في اليمن أو العراق أو لبنان، خصوصاً بعد خسارتها لحليفها في سوريا، كما أنها تعتبر اليد الخفية للسلاح الصيني والروسي وحقل تجارب للأسلحة الجديدة لهذين البلدين، بالإضافة إلى التكتيكات التي يسعى البلدان إلى تطبيقها وتجربتها. كما أن الضربات التي تلقتها إيران في الجانب السياسي والعسكري وأفقدتها الكثير من قياداتها جعلتها أمام خيارين صعبين: إما القبول بالهدنة وجعلها أمام شعبها وقياداتها ضعيفة مرتهنة للغير مهددة دائماً بالاغتيالات لقياداتها والتدمير لقدراتها العسكرية، أو محاولة فرض معادلة عسكرية جديدة تكون فيها نداً لباقي الدول.


السؤال الذي يطرحه الآن في نهاية هذا التحليل: كيف يمكن للدول العربية والخليجية خصوصاً أن تخرج بأقل الخسائر، بل وتحقق بعض المكاسب السياسية من هذا الصراع وتعيد رسم خارطة المنطقة لصالحها؟


يجب على الدول الخليجية إعادة رسم بطيء ولكن متوازن لعلاقاتها ومصالحها الدولية والإقليمية بما يضمن خلق الكثير من الحلفاء والداعمين لها وعدم الركن إلى حليف استراتيجي رئيسي واحد وهو الولايات المتحدة الأمريكية التي أثبتت أنها تفضل إسرائيل على بقية دول العالم، والذي ظهر بشكل جلي بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بسحب منظومات الدفاع الجوي من دول خليجية وآسيوية وأرسلتها لإسرائيل لحمايتها من الصواريخ الإيرانية غير مكترثة بالمخاطر الناتجة عن ذلك على حلفائها.


كما يجب على الدول الخليجية سرعة تشكيل قوة عربية مشتركة وتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك مع كافة الدول العربية خصوصاً مع كل من مصر والجزائر بما يضمن وجود قوة عسكرية كبيرة قادرة على حماية وضمان أمن المنطقة وبما يعمل على تعزيز توازن القوى في المنطقة، إضافة إلى خلق قنوات تواصل مع كافة القوى الإقليمية الداعمة لإيران.


هذا في الجانب العسكري والسياسي، أما في الجانب الاقتصادي فيجب على الدول الخليجية البحث عن رؤية اقتصادية شاملة تضمن تنويعاً اقتصادياً لمواردها، إضافة إلى خلق قنوات تصديرية خارج إطار مضيق هرمز حتى لا تكون عرضة لتهديدات إيران أو غيرها بإغلاق مضيق هرمز، وهنا يبرز إنشاء شركة مساهمة خليجية لتصدير النفط عبر أنابيب نفط تصل إلى بحر العرب عبر اليمن، خصوصاً محافظتي المهرة والمكلا، حيث يكون هذا المشروع وسيلة للتعاون والتكامل الاقتصادي بين دول الخليج واليمن، وبالتالي مدخلاً لتعاون سياسي وعسكري واقتصادي ما بين دول شبه الجزيرة العربية.


د. سامي محمد قاسم نعمان

رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة عدن

مدير البحوث والدراسات بمركز حقوق الانسان