السبت - 26 سبتمبر 2026 - الساعة 01:33 ص
تأتي التصريحات الأخيرة للأستاذ نصر طه مصطفى في بودكاسته الأخير، والتي تناول فيها أسباب فشل الدولة في اليمن خلال حقبة إدارة الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأسرته وحاشيته، لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة النظام السياسي الذي أدار البلاد لعقود. لقد قدم الرجل اعترافاً صريحاً ودقيقاً بشأن شكلية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها البرلمان والقضاء.وحين يقر قيادي ومستشار إعلامي وسياسي عاش في قلب مربع القرار بأن البرلمان لم يستطع يوماً سحب الثقة من وزير، وأن القضاء سلبت منه الاستقلالية في الملفات السياسية، فهو يقدم شهادة تاريخية حية من الداخل تشهد على أن دولة المؤسسات في اليمن لم تكن، طوال عقود سوى واجهة ديكورية تغطي على واقع الحكم الفردي وتنفذ إرادة مراكز القوى.
واشارته الى أن معالجة تداعيات حرب صيف 1994 قد جرت عبر عفو رئاسي وتوجيهات عليا بدلاً من مسار قضائي مؤسسي، تكشف بوضوح عن الآلية التي اعتاد النظام السياسي إدارتها للأزمات الوطنية الكبرى، بأسلوب المخططات والتآمرات والتفاهمات المغلقة، وتوزيع الأدوار والمصالح، والتعامل بمنطق "المكرمات" والترضيات الشخصية، بدلاً من إرساء مبادئ العدالة الانتقالية وإعطاء المؤسسة القضائية دورها الحقيقي.
يلاحظ أن نصر طه مصطفى يحلل تجربة الحكم السابق بنقد حصيف وموضوعي لكن هذا الطرح يثير تساؤلات ملحة لدى المراقبين حول دور النخبة السياسية والإعلامية آنذاك. فقد كان الأستاذ نصر طه مصطفى جزءاً رئيساً من الواجهة الإعلامية للنظام، ودافع عن سياساته في محطات مفصلية كـ "انتخابات 2006". وإن إرجاع عجز البرلمان والقضاء إلى طبيعة السلطة التنفيذية وحدها يغفل مساهمة النخبة السياسية والمستشارين والمثقفين الذين شرعنوا هذه الممارسات كاغطاءً سياسياً وإعلامياً. كان يتوجب على هذا الطرح ألا يكتفي بالتشخيص الظاهري للأزمة، بل يتعداه إلى تفكيك البنية التي جعلت هذه النخب تتكيف مع الهيمنة الفردية وتتخلى عن واجبها في إرساء تقاليد برلمانية وقضائية صارمة.
من جانب آخر، تحمل الإشادة بالقرارات السياسية أو العفو الرئاسي عامي 2002/2003 بشأن "قائمة الـ 16" إشكالية عميقة. فإغلاق الملفات الوطنية عبر العفو السياسي -دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة ودون جبر للضرر- كان أحد الأسباب المباشرة لاندلاع "الحراك الجنوبي" عام 2007. وهذا يؤكد أن القرارات التلفيقية التي تتجاوز العدالة الحقوقية والشراكة الوطنية لا تحسم القضايا بل ترحلها لتنفجر لاحقاً.كما أن الشلل الذي أصاب السلطة التشريعية لم يكن وليد ضعف إرادة أعضائها فحسب، بل كان نتيجة هندسة دقيقة للدوائر الانتخابية بعيد عن الديمقراطية والتمثيل الحقيقي للشعب واستخدام المال العام والوظيفة العامة لصالح الحزب الحاكم دون رقيب أو حسيب لضمان أغلبية مريحة تجهض أي حراك رقابي، واي شراكة ديمقراطية في المراقبة والمسؤولية،وهو ما أغفله الطرح في تفكيك أزمة البرلمان.إن تقديم القراءة التاريخية اليوم بصيغة المراقب السياسي المحايد لا يعفي القيادات والنخب التي أدارت تلك المراحل من مسؤوليتها التاريخية. فاستعادة بناء الدولة اليوم تقتضي المكاشفة وإلاقراراً بالخطأ وتحديداً لمن تحملوا مواقع المسؤولية وما زالوا حتى اليوم يتبوؤن ويتربعون في مواقع المسؤولية وصناعة القرار، وليس فقط تقديم قراءات سردية لما حدث.