في تغطية خاصة عبر "عدن الفضائية".. خبراء ومسؤولون يضعون خارطة طريق لتجفيف منابع التمويل الحوثي
سماح جميل : متابعة حوارية متخصصة
لا تقتصر حروب العصر على دوي السلاح وقرع الطبول فحسب، بل تقاس شراستها بمقدار المال القادر على إطالة أمدها وتغذية ترسانتها. من هذا المنطلق، سلطت شاشة قناة عدن الفضائية في إحدى حلقات برنامجها "المؤشر" الضوء على معركة لا تقل ضراوة عن الجبهات العسكرية، وهي معركة "تجفيف منابع تمويل ميليشيات الحوثي". استضاف البرنامج نخبة من الخبراء والمختصين وهم: الدكتور سامي محمد قاسم نعمان (رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة عدن)، والاستاذ عبد الواحد العوبلي (البحث في الشأن الاقتصادي اليمني)، والمهندس فارس النجار (مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية).
وفيما يلي ننشر إليكم أبرز ما دار في هذه المقابلة الهامة على شكل أسئلة وأجوبة:
كيف بدأت القناة ومقدمة البرنامج طرح ملف "الحرب الاقتصادية"؟
افتتحت مقدمة البرنامج أماني بخريبة الحلقة بالإشارة إلى أن الحرب لا تستمر بالسلاح وحده، بل بالمال الذي يوفر المقاتلين والعتاد. ومع استمرار الأزمة اليمنية، برز تساؤل جوهري حول قدرة الحوثيين على مواصلة تمويل حربه وكيفية تجفيف منابع تلك الأموال. وأشار التقرير التمهيدي للحلقة إلى أن الميليشيات تعتمد على شبكة واسعة من الإيرادات تشمل الجمارك عبر مواني البحر الأحمر، والضرائب والجبايات تحت مسمى "المجهود الحربي"، فضلاً عن شبكات الصرافة والشركات الواهية وأموال النفط الإيراني المهرب، مما يمنحها تدفقات مالية ضخمة تستنزف الاقتصاد الوطني.
س: دكتور سامي نعمان، كيف تنظرون إلى خطورة هذه الموارد الاقتصادية المنهوبة في تمويل العمليات العسكرية للحوثيين؟
ج: أجاب د. سامي محمد قاسم نعمان (رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة عدن) موضحاً أن الحرب الاقتصادية تفوق أحياناً قوة السلاح في تأثيرها. وبين أن جماعة الحوثي تقوم أساساً على نهب الموارد ومصادرة المؤسسات (حيث استولت على أكثر من ألف شركة ومصرف). وأوضح أن قطاع الاتصالات وحده يدر على الجماعة بين 290 إلى 430 مليون دولار سنوياً، إلى جانب استغلال القطاع المصرفي وشركات الصرافة في غسيل الأموال، مؤكداً أن هذه الأموال لا تستخدم فقط لتمويل جبهات القتال الداخلية، بل تمتد لتغذية ميليشيات مرتبطة بها في القرن الإفريقي وتجنيد عناصر لتنفيذ اغتيالات في المناطق المحررة.
س: أستاذ عبد الواحد العوبلي، ما هي المصادر الأساسية التي تعتمد عليها الميليشيا في جني هذه المليارات؟
ج: من جانبه، أكد أ. عبد الواحد العوبلي (الباحث في الشأن الاقتصادي) أن قطاع النفط والمشتقات النفطية (لا سيما الواردة بدعم مباشر ومجاني من إيران) يمثل المصدر المالي الأبرز، حيث يدر على الجماعة مليارات الدولارات سنوياً. وأضاف أن الإيرادات المحلية كالضرائب والجبايات تشكل نسبة واسعة، فضلاً عن سيطرتهم على نحو 95% من القطاع التجاري والخاص بعد إقصاء المستثمرين المستقلين. ولفت العوبلي إلى نقطة خطيرة تتمثل في استغلال الميليشيات لمليارات الدولارات من المساعدات الإنسانية الأممية وتوظيفها لدعم مقاتلي الجماعة وأسر قتلاهم.
س: مستشار فارس النجار، كيف يساهم الدعم الإيراني الخارجي في تعزيز التراكم الرأسمالي للحوثيين، وكيف تتعامل الرئاسة والحكومة مع ذلك؟
ج: أوضح م. فارس النجار (مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية) أن الدعم العيني الإيراني (المتمثل في شحنات النفط الميسرة والمجانية) يمنح الجماعة مورداً يقدر بنحو مليار دولار سنوياً، مما ساهم تاريخياً في بناء تراكم رأسمالي ضخم للجماعة وصل إلى نحو 80 مليار دولار. وأشار النجار إلى أن الحوثيين يعلمون أنهم قد يخسرون عسكرياً أو سياسياً يوماً ما، ولذلك يستميتون في السيطرة على الاقتصاد لضمان هامش مناورة مستقبلي. وكشف عن وجود تحركات حكومية جادة وقرارات صدرت مؤخراً عن النائب العام (القراران 14 و15 لعام 2026) لتحديد وتجميد الأصول والكيانات التابعه لهم، بالتوازي مع حشد الجهود الدولية لتصنيفهم كمنظمة إرهابية.
س: بالعودة إليكم دكتور سامي نعمان، هل يمتلك الحوثيون وسائل أخرى لتجيير الاقتصاد المدني لأغراض عسكرية؟
ج: أكد د. سامي نعمان أن الحوثيين نجحوا في تحويل البنى التحتية المدنية إلى أدوات عسكرية،فشبكات الاتصالات مثلاً تُستخدم في توجيه الطائرات المسيرة، والتشويش، والتنصت. وأضاف أنه مع التطورات الأخيرة وإغلاق بعض المنافذ وتراجع القدرات المالية للتجار والمواطنين في مناطق سيطرتهم، بدأت مصادرهم الداخلية تتراجع، مما يجعل الإجراءات الاقتصادية الأخيرة للبنك المركزي والنائب العام كفيلة بإحداث شلل مالي سريع في قدراتهم العسكرية.
س: أستاذ عبد الواحد العوبلي، ما هي الخطوات العملية والعاجلة المقترحة لقطع هذه الشرايين المالية؟
ج: شدد أ. عبد الواحد العوبلي على أن أهم الخطوات تمثلت في نقل البنوك إلى عدن، مطالباً بالمثل بنقل مقرات وعمليات المنظمات الدولية إلى المناطق المحررة لحماية أموال الإغاثة. كما دعا إلى ملاحقة "المالك الفعلي" للشركات والأسماء التشغيلية الوهمية التي تستخدمها الجماعة للالتفاف على العقوبات الدولية (كما أشارت تقارير الخزانة الأمريكية)، بالإضافة إلى فرض رقابة صارمة على مطار صنعاء والمنافذ لمنع تهريب التقنيات والأسلحة.
في ختام الحوار، كيف لخص الضيوف رؤيتهم الشاملة لجعل هذا الملف أولوية موازية للمعركة العسكرية؟
س: (السؤال الأخير من المذيعة أماني بخريبة):
"لقد تعبنا من التشخيص طوال الفترة من 2014 إلى اليوم ونحن نشخص الحرب في اليمن.. لماذا لا يكون ملف تجفيف مصادر تمويل الحوثيين ملفاً يوازي المعركة العسكرية وذو أولوية وأهداف قابلة للقياس؟ وهل تمتلك الحكومة اليوم خطة عملية واضحة لتنفيذه، ومن يتحمل مسؤوليته؟"
ج: في الرد على هذا التساؤل الجوهري حول غياب الخطط العملية والتشخيص المتكرر، أوضح م. فارس النجار (مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية) أن تجفيف منابع التمويل يتطلب بالفعل الانتقال من القرارات القانونية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض، مؤكداً أن الحكومة تعمل اليوم وفق ثلاث أولويات رئيسية متزامنة، تشمل المسار الأول تتبع الأموال والشركات والأصول المرتبطة بالحوثيين وتجميدها قانونياً بالتنسيق مع الشركاء الدوليين (مشيراً إلى أن جانباً كبيراً من المباحثات التي أجراها رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية تركز على حشد الجهود الأمريكية والخزانه في هذا الملف)، والمسار الثاني التعامل الصارم مع حركة المشتقات النفطية المهربة والتحويلات المالية بمعية البنك المركزي، بينما يتركز المسار الثالث على ملاحقة عمليات الالتفاف على العقوبات الدولية من خلال أسماء وهمية أو تشغيلية أخرى عبر تعاون استخباراتي وثيق لتتبع شبكات غسيل الأموال المعقدة.
من جانبه، أضاف د. سامي محمد قاسم نعمان (رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة عدن) أن الحكومة الشرعية أصبحت تمتلك خطه متكاملة بعد أن كانت الخطط السابقة (كمنظومة نقل البنوك) تصطدم أحياناً بضغوط المبعوث الأممي لتأجيل العقوبات بداعي تجنب الاحتقان السياسي، مبيناً أن المعلومات الاستخباراتية رصدت العديد من الشركات الحوثية التي كانت تعمل داخل مناطق الشرعية تحت أسماء مختلفة وغطاء تلبية الاحتياجات المجتمعية، وكاشفاً عن قرب صدور عقوبات وإجراءات حاسمة لإغلاق هذه الشركات وتصفية بعض البنوك لصالح العملاء لإيقاع الميليشيات في إرباك مالي يصعب تداركه ودعم الجانب العسكري.
وفي ختام النقاش، شدد أ. عبد الواحد العوبلي (الباحث في الشأن الاقتصادي اليمني) على ضرورة أن تعمل كافة أجهزة الدولة بشكل متزامن ومتسق لتنفيذ الخطة عملياً، وذلك عبر تقديم ملفات مالية موثقة بأسماء الشركات ووثائق الملكية، وإصدار أحكام قضائية وضبط داخلية ضد المتورطين، ثم نقل هذه الملفات دبلوماسياً ودولياً لتضييق الخناق على حركة أموال الميليشيات خارجياً وتعطيل شبكات مشترياتها العسكرية، إلى جانب استعادة السيطرة الفعلية على قطاعات الاتصالات والنقل والمنافذ والمطارات التي تستغلها الميليشيات للتهريب، وتحويل كل تلك الموارد لتصب في المناطق المحررة تحت تحكم الدولة بالكامل.