خبير اقتصادي لـ "عدن الفضائية".. خسائر اليمن تجاوزت 130 مليار دولار والحوثيون يتجهون للانهيار المالي الشامل
1.5 مليار دولار استثمارات هاربة و4.3 مليون معاق.. الكلفة الصادمة للحرب الحوثية في اليمن
تأتي الذكرى الثانية عشرة للانقلاب الحوثي على الدولة في اليمن لتكشف عن حجم الدمار الشامل الذي طال العصب الاقتصادي للبلاد، محولاً "اليمن السعيد" من دولة كانت تخطو بثبات نحو الإصلاح الاقتصادي والاندماج الدولي، إلى واحدة من أكثر مناطق العالم معاناة من الفقر والبطالة والانهيار المالي. وفي مقابلة خاصة أجرتها قناة "عدن الفضائية" مع الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد جامعة عدن الدكتور سامي محمد قاسم نعمان، وضع الأخير قراءة رقمية وتشخيصاً هيكلياً للواقع الاقتصادي والمعيشي، مؤكداً أن اليمن يقف اليوم أمام أعتاب انهيار مالي وتنموي غير مسبوق نتيجة السياسات العبثية والحروب الاقتصادية التي شنتها الميليشيات.
واستهل الدكتور سامي نعمان حديثه بمقارنة دقيقة بين مؤشرات اليمن الاقتصادية قبل الحرب وما آلت إليه الأوضاع اليوم، ففي عام 2009، كان اليمن في السنة الأخيرة من خطة مكافحة الفقر ضمن برنامج الإصلاحات المعتمد من البنك وصندوق النقد الدوليين، حيث انخفضت نسبة الفقر إلى ما بين 40% و43% بعد أن كانت قد بلغت 60% عقب حرب 1994. واستمراراً لهذه الجهود وتنفيذاً لبرامج الإصلاح ومخرجات الحوار الوطني، هبطت النسبة في عام 2013 إلى أقل من 36.5%، مترافقة مع نمو الناتج القومي الذي وصل حتى عام 2014 إلى ما بين 43 و46 مليار دولار سنوياً بمعدل نمو اقتصادي يترواح بين 4% و5%، وصولاً إلى قبول طلب انضمام اليمن المبدئي لمنظمة التجارة العالمية في العام ذاته كخطوة جادة للاندماج الدولي. غير أن هذه المسار التنموي انتكس كلياً تحت سيطرة الميليشيا الحوثية، لتقفز نسبة الفقر اليوم إلى 82% بين إجمالي السكان، بينما خسر اليمن أكثر من 130 مليار دولار من موارده الاقتصادية المباشرة خلال فترة الحرب.
ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، بل تزامنت مع نزيف استثماري حاد تمثل في خروج استثمارات أجنبية تتجاوز 1.5 مليار دولار (وفق بيانات 2021) وسط هروب واسع لرؤوس الأموال، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة لتصبح من الأعلى عالمياً بنسبة تتراوح بين 60% و70%، في ظل نمو سكاني يتجاوز 3% سنوياً. وترافقت هذه الأرقام الاقتصادية مع كلفة إنسانية باهظة، حيث سجل اليمن أعلى معدلات للنازحين داخلياً في العالم، وارتفع عدد ذوي الإعاقة جراء الحرب إلى نحو 4,300,000 معاق، ما يتجاوز 10% من إجمالي السكان.
وفند الدكتور سامي نعمان أبعاد نقل الميليشيا للحرب الاقتصادية والعسكرية إلى السواحل والملاحة البحرية، موضحاً أن الهجمات الحوثية لم تتوقف عند البحر الأحمر بل امتدت إلى بحر العرب. وأشار نعمان إلى تقارير تؤكد تقديم الحوثيين دعماً تسليحياً وتنظيمياً لحركة "الشباب الصومالية" ومجموعات خارجة عن السلطة الفيدرالية في الصومال تمارس القرصنة البحرية. وقد أدى هذا التهديد البحري إلى استعانة السفن التجارية بشركات أمنية عسكرية تطلق النار وتتعامل بحزم مع أي زوارق تقترب منها، مما تسبب في حوادث اشتباه شملت حتى زوارق خفر السواحل والصيادين. ونتيجة لفرض حالة الخوف هذه، عجز الصيادون عن الخروج لمسافات آمنة للاصطياد في المياه العميقة، وهو ما أضر بنحو 400 ألف إلى مليون شخص يعملون في مجال الاصطياد وتسويق الأسماك، وأدى بالتالي إلى تراجع الإنتاج السمكي وارتفاع أسعاره بشكل مبالغ فيه برغم كونه المصدر الغذائي الرئيسي لليمنيين.
وفي المحور المالي، شرح د. سامي نعمان كيفية تدمير الميليشيا للقطاع المصرفي عبر خطوات متدرجة وممنهجة، ففي أول عامين من الحرب، سحبت الميليشيا السيولة المخزنة في بنك صنعاء واستنزفت أكثر من 4 مليارات دولار من أصل 5.1 مليارات دولار كانت تشكل الاحتياطي النقدي للبلاد بالعملة الصعبة، إلى جانب الاستيلاء على أموال مؤسسات التأمينات التقاعدية التي بلغت نحو 800 مليون دولار. وعقب نقل البنك المركزي إلى عدن وإصدار طباعة جديدة للعملة لتوفير السيولة، حظر الحوثيون تداول الإصدار الجديد، مما تسبب في توقف دفع مرتبات الموظفين والمتقاعدين في مناطق سيطرتهم بعد أن كانت الحكومة قد بدأت بدفعها. وأدى التكدس النقدي الناجم عن ذلك في مناطق الشرعية إلى تضخم وانخفاض قيمة الريال، مقابل كساد اقتصادي وتلف للعملة القديمة في مناطق الحوثي، ما دفعهم لطباعة إصدارات غير قانونية (معدنية وورقية). كما اعتمد الحوثيون آلية لتجريف العملة الصعبة من خلال مصادرة العملة الجديدة من التجار والمواطنين وضخها عبر شبكاتهم إلى مناطق الشرعية لشراء العملات الأجنبية (الريال السعودي والدولار) وتهريبها لصنعاء، مع السيطرة الكاملة على شركات تحويل الأموال بغرض المضاربة والربح.
واختتم الدكتور سامي نعمان المقابلة برسم التوقعات المالية لمناطق سيطرة الميليشيا، مؤكداً أن النفط والغاز الإيراني المهرب والمباع في القرن الأفريقي كان يشكل المصدر الأبرز لتمويل الميليشيا. ومع اضطراب خطوط الملاحة وإغلاق منافذ التمويل جراء التوترات الإقليمية، فقدت الميليشيا قسماً كبيراً من عوائدها المشبوهة، ولجأت لمضاعفة الجبايات والضرائب على المواطنين والتجار لتغطية أزمتها. وأكد الدكتور نعمان أنه في حال استمرار هذا الخناق والضغط المالي خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة القادمة، فإن سلطة الحوثيين ستتجه بشكل حتمي نحو مرحلة الإفلاس والانهيار المالي الشامل في مناطق سيطرتها.