د. سامي نعمان.. الحوثيون يطبقون قاعدة "جوّع كلبك يتبعك" لتطويع الشارع
عدن/حوار صحفي
في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد والاستثنائية، تتصاعد في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية موجات متتالية من الجبايات والأتاوات التي تستهدف القطاع الخاص والأنشطة التجارية، تحت مسميات ودواعي دينية وسياسية متعددة، كان آخرها تكاليف الفعاليات المصاحبة لمناسبة "المولد النبوي". هذه الممارسات، إلى جانب انقطاع المرتبات وشلل القطاع المصرفي، تضع الاقتصاد اليمني أمام حالة من الانهيار الصامت وتجريف مقومات السوق الوطنية.
لمناقشة تداعيات هذه الجبايات على هوامش ربح التجار، وتأثيراتها المباشرة على حركة السوق والقدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تحليلات "اقتصاد الحرب" والبدائل المتاحة أمام المنظمات والحكومة الشرعية، استضافت قناة عدن الفضائية الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور سامي محمد قاسم نعمان، في حوار يتتبع فيه أبعاد أزمة السيولة وسياسات الإفقار الممنهجة،
وفيما يلي نص الحوار الصحفي:
المذيعة: أهلاً دكتور سامي، ربما الممارسات الحوثية التي تمارسها على المواطنين أو أيضاً على التجار الذين يقبعون تحت مناطق سيطرتها اليوم، ربما ممارسات أو جبايات تقوم بها المليشيا للتجار وأيضاً ربما الباعة المتجولين. كيف تؤثر هذه الجبايات التي تفرضها هذه المليشيات ربما بدواعي دينية أو غيرها من الممارسات، كيف تؤثر على هوامش الربح اليوم بالنسبة لهؤلاء التجار، ربما حتى الباعة المتجولين والباصات؟ وهل أصبحت تدفع ربما بالقطاع الخاص نحو الإفلاس؟
د. سامي نعمان: هناك مجموعة من العوامل التي تؤدي إلى الانهيار والإفلاس لشركات القطاع الخاص سواء مشاريع كبيرة أو صغيرة في مناطق سيطرة الحوثيين،خاصة أن الإجراءات الحوثية منذ 2015 عندما استولوا على صنعاء والمناطق التي سيطروا عليها في ذلك الوقت بدأوا بفرض مجموعة من الجبايات بأسماء مختلفة، سواء احتفالات دينية، سواء مجهود حربي، سواء ضرائب الخمس لآل البيت أو غيره. إضافة إلى الانهيار النقدي الموجود لديهم بسبب قدم العملة وعدم طباعة عملة جديدة وتوقف استخدام العملة المطبوعة في البنك المركزي في عدن. وأيضاً الاحتياجات المستمرة للحوثيين سواء في جبهاتهم أو في تغطياتهم لنفقات الخبراء والأسلحة وتمويلاتهم لتهريب السلاح حتى للقرن الأفريقي. كل ذلك استنزف المخزون النقدي والمالي لدى التجار في مناطق سيطرة الحوثيين.
لأسف التجار يعانون هناك بشدة، وذلك يظهر من خلال حجم السوق الاستهلاكي في مناطق سيطرة الحوثيين الذي يعاني من ضعف كبير بسبب عدم قدرة المواطنين على شراء المنتجات والسلع. أصبح الكثير من التجار يجدون السبيل الوحيد لبيع منتجاتهم هي إعادة نقلها إلى مناطق سيطرة الشرعية لبيعها. فمثلاً في الفترات التي كانت تشهد بعض الصراعات فيما بين قوات الجيش الوطني والقوات الحوثية وإغلاق المنافذ الحدودية بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق سيطرة الشرعية، انهارت أسعار المنتجات الزراعية لأن الكثير من المزارعين لم يعد يستطيعوا بيع هذه المنتجات في مناطق سيطرة الحوثي؛ لأن السوق هناك لم يعد يستطيع شراء مثل هذه المنتجات بسبب انخفاض السيولة وارتفاع قيمة الجبايات التي يفرضها الحوثيون.
الحوثيون كما قلت سابقاً هم يعلمون أنهم جماعة مؤقتة، لذلك يحرصون على الاستيلاء على القطاع الخاص في مناطق سيطرتهم. نجد أنهم قاموا بتفريخ الكثير من الشركات والاستيلاء على الكثير من ممتلكات التجار وأنشروا شركات في النظام غير الرسمي للسيطرة على الأسواق وتحصيل هذه الأموال. كل هذا أدى إلى ضعف السوق في مناطق سيطرتهم. الفترات الممتدة من 2015 حتى الآن نشهد انهياراً صامتاً للاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثي مهما نُشر من معلومات مغلوطة ومهما نشر عن الجبايات والأموال التي يتحصل عليها. خاصة بعد القصف الإسرائيلي والأمريكي لميناء الحديدة وخزانات النفط في رأس عيسى فقد الكثير من الأموال التي كان يعتمد عليها، الحصار المفروض على إيران أيضاً أوقف قدرته على الحصول على موارد من الغاز والنفط المهرب والذي كان يبيعه في القرن الأفريقي. الآن الحوثي يعتمد في تغطية نفقاته على المخزون الذي كان لديه في السنوات الماضية، ولا أعتقد أنه في الفترة القادمة سيستطيع الاستمرار أكثر من ذلك.
المذيعة:نعم دكتور سامي، طبعا هذه الجبايات أو الإتاوات التي تفرضها مليشيا الحوثي على التجار وأيضاً على الشركات في المناطق التي تخضع لسيطرتها، ربما مبالغ طائلة بمناسبة دينية وهو المولد النبوي، وتقوم المليشيا الحوثية بفرض تكاليف مالية على هؤلاء التجار. هل هذه التكاليف والدعاية أو الزينة بمناسبة المولد تصنف ضمن الممارسات وفق قواعد العمل الاقتصادي والتشريعات الضريبية والتجارية؟
د. سامي نعمان: وفقاً للقانون ليس هناك أي شيء اسمه فرض ضريبة مقابل الاحتفال. الحوثيون ليس أول مرة يفرضوا ضريبة أو رسوماً مقابل الاحتفال بالمولد النبوي أو أي احتفال ديني لديهم أو ما يسمونه يوم الغدير وغيرها. الحوثيون منذ 2015 فرضوا على التجار أن يقوموا هم بتوليد الكهرباء في الشوارع، وهذه نقطة غائبة عن الكثيرين أن الشوارع المضاءة في صنعاء وغيرها التجار هم يتحملون إنارتها بأمر من الحوثيين ومن لا ينفذ تفرض عليه عقوبات. هناك ما يسمى بالحارس القضائي الذي يستولي على ممتلكات المواطنين والتجار. هذه كلها خارج إطار القانون ولا يوجد لها تعريف أو مسمى في القانون اليمني أو التشريعات اليمنية.
المذيعة:هل يحق للتجار أو المواطنين رفض هذه الجبايات؟
د. سامي نعمان: الحوثيون يريدون من التجار أن يرفضوا هذه الجبايات لأنهم يريدون السيطرة على كافة الأذرع والممتلكات الاقتصادية للقطاع الخاص في مناطق سيطرتهم تحت مسميات مختلفة. البعض يعتقد أن الحوثيين عندما يتملكون عبر الحارس القضائي أو أذرعتهم أنهم فقط من المقربين، لكنهم يتخذون أسماء وهمية وأسماء مناصرة يعتقد البعض أنها ليست تابعة لهم. حتى المنظمات الدولية، وهذا شيء مهم يجب أن نركز عليه، الحوثيون بدأوا الاستيلاء على ممتلكات وأرصدة المنظمات الدولية التي كانت تعمل في صنعاء. رغم أن المنظمات الدولية كانت تعمل وفق شروط الحوثي الذي يفرض عليها ضريبة بين 10% إلى 15%، وهذا لأول مرة في التاريخ اليمني رغم أن القانون يوضح أن منظمات الإغاثة لا تفرض عليها ضريبة. بالإضافة إلى أنه فرض عليها توظيف أفراد من الجماعة داخل هذه المنظمات والمشاريع.
بمعنى أن الحوثي يريد السيطرة على كافة المفاصل الاقتصادية في مناطق سيطرته؛ بدأها بالاتصالات والبنوك وشركات الصرافة، والآن في المواد الغذائية والكهربائية وغيرها. التجار خائفون من التهديدات عبر الحارس القضائي والقضاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، فبالتالي لا يستطيع التجار عمل شيء لأن القانون مسلوب ومتلاعب به.
المذيعة: كيف تساهم هذه الأتاوات في تشويه البيئة الاستثمارية وتوسيع الاقتصاد الموازي؟
د. سامي نعمان: هناك جزئيتان نركز عليهما: نسمع عن مشاريع تفرغ وتفلس في صنعاء، وفي نفس الوقت نجد مشاريع أخرى تُنشأ وتفتح في صنعاء، وهذان أمران متناقضان. كيف نقول إن الوضع الاقتصادي صعب جداً ومع ذلك نجد مشاريع ضخمة تفتح؟ الإجابة ببساطة هي ما يسمى "اقتصاد الحرب". عناصر المليشيات وأسرهم الذين استفادوا من اقتصاد الحرب حققوا ثروات طائلة. كما أن الحوثيين أثناء مصادرتهم لأصول وشركات القطاع الخاص قاموا بإعادة تسميتها وتشكيلها وافتتاحها بأسمائهم.
فبالتالي القطاع الخاص الوطني بدأ يغلق أو ينتقل لمناطق أخرى، بينما الشركات التي تظهر هي ملك للمستفيدين من اقتصاد الحرب (تهريب السلاح، وتجارة المخدرات والكباجون الحشيش التي تحقق أرباحاً هائلة بحسب تقارير دولية). أموال ضخمة يستغلها الحوثي لفرض السيطرة على القطاع الخاص. الغريب أن الغرف التجارية في مناطق سيطرة الحوثي ما زالت صامتة، بعد أن كانت تعترض في 2016 و2017، وصوتها اختفى تماماً لأن الحوثي بدأ يشرك أطرافه الاقتصادية في هذه الغرف ويسيطر عليها.
المذيعة: كيف تؤثر مصادرة إيرادات القطاع الخاص ومستحقات الزكاة لصالح هذه الفعاليات على كفاءة الدورة الاقتصادية؟
د. سامي نعمان:لو أخذنا القطاع المصرفي مثلاً، القطاع المصرفي في مناطق سيطرة الحوثي شبه متوقف، أغلب البنوك إما قلصت نشاطها أو أغلقت تماماً، وهذا دليل على وجود مشكلة نقدية ومالية ضخمة. الحوثيون لجأوا لشركات صرافة داخلية كما حدث في لبنان، والصدمات المالية في لبنان تنتقل الآن لمناطق سيطرة الحوثي.
في ظل أن التجار ليس لديهم سيولة ولا قدرة، وكثير منهم انتقلوا لمناطق الشرعية أو لدول الجوار، ما زال الحوثيون يطالبونهم بالدفع مقابل الاحتفالات والزكاة والخمس والمجهود الحربي. عندما تأخذ من شخص لا يملك شيئاً يحدث انهيار وتتسع الفجوة النقدية. وعندما يغادر التاجر ليس هو فقط من يخسر بل حتى الموظفون والعمال يخسرون، فتتقلص القدرة الاستهلاكية للمواطنين وتتوقف الدورة النقدية والمالية وسيحدث انهيار عاجلاً أم أجلاً. وإذا طالت الأزمة في مضيق هرمز وتوقفت قدرة إيران على تمويل الحوثيين، فخلال أشهر قد ينهار الحوثيون مالياً بشكل مفضوح.
المذيعة: دكتور سامي، بإيجاز دعنا نتحدث عن الخيارات المتاحة أمام المنظمات الدولية والحكومة الشرعية والمؤسسات المالية للحد من هذه الجبايات وتخفيف الفاتورة المعيشية على المواطنين؟
د. سامي نعمان: منذ 2020 حتى 2025 كان نحو 66% إلى 72% من التمويلات المقدمة لليمن تذهب للجانب الإغائثي في مناطق سيطرة الحوثيين. المنظمات الدولية بسبب ظروف المواطنين كانت توجه التمويلات هناك سواء نقد مقابل العمل أو دعم غذائي ومشاريع مياه. لكن الحوثيين بدأوا يضيقون الخناق على المنظمات بذريعة "العمالة والجاسوسية"، فتوقفت المشاريع الدولية ولم تعد المنظمات تستطيع العمل إلا عبر أذرع محلية، وحتى هذه الأذرع تم حظرها ومحاربتها مما أدى لتوقف التمويلات، إضافة لتوقف الدعم الأمريكي.ما تستطيعه المنظمات حالياً هو تقديم العون للنازحين من مناطق الحوثي إلى مناطق الشرعية فقط. وهو نفس الشيء الذي تستطيعه الحكومة الشرعية بتقديم المساعدات وتسهيل إجراءات صرف مرتبات الموظفين النازحين. أما تقديم أي مساعدات داخل مناطق سيطرة الحوثيين فيواجه بإجراءات حوثية شديدة تصل لمصادرة المساعدات المادية والنقدية.
المذيعة: دكتور سامي نعمان ربما هذه الجبايات تؤثر مباشرة على المستهلك وتضعف قدرته الشرائية، هل هناك تقديرات اقتصادية لارتفاع الأسعار بسبب هذه الإتاوات؟
د.سامي نعمان: هنا المصادفة الاقتصادية، عندما تنخفض قدرة المواطنين على الشراء يضطر التاجر لتخفيض الأسعار. المواطنون الذين لا يفهمون الاقتصاد عندما يرون التخفيضات في مناطق الحوثي يظنون أن الوضع أفضل، بالعكس هذا دليل على أن الوضع سيء جداً والتجار يخفضون أسعارهم لمحاولة إيجاد مستهلكين بل والبيع بالخسارة لعدم توفر السيولة وتوقف المرتبات.أغلب الإنتاج الزراعي في مناطق سيطرة الحوثي يباع في مناطق الحكومة الشرعية أو يصدر للخارج، بينما المنتجات المباعة في مناطق الحوثي بالحد الأدنى. والحوثي يتبع قاعدة "جوع كلبك يتبعك"، فكلما زاد فقر الشعب استطاع تطويعه وتجنيد أفراده للحصول على المال. ولكن لأسف سنصل إلى مرحلة المجاعة الكلية في ظل هذه السياسة.